سليمان بن موسى الكلاعي

47

الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا

ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل : قد مات ، والله ليرجعن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم كما رجع موسى ، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم مات . وأما عثمان بن عفان رضي الله عنه فأخرس حتى جعل يذهب به ويجاء ولا يتكلم . وأقعد على رضي الله عنه فلم يستطع حراكا . وأضنى عبد الله بن أنيس . وبلغ الخبر أبا بكر رضي الله عنه وهو بالسنح فجاء وعيناه تهملان وزفراته تترد في صدره وغصصه ترتفع كقطع الحرة وهو في ذلك رضوان الله عليه جلد العقل والمقالة ، حتى دخل على رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فأكب عليه وكشف عن وجهه ومسحه وقبل جبينه وجعل يبكى ويقول : بأبى أنت وأمي طبت حيا وميتا ، ولنقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء من النبوة ، فعظمت عن الصفة ، وجللت عن البكاء ، وخصصت حتى صرت مسلاة ، وعممت حتى صرنا فيك سواء ، ولولا أن موتك كان اختيارا لجدنا لموتك بالنفوس ، لولا أنك نهيت عن البكاء لأنفذنا عليك ماء الشون ، فأما ما لا نستطيع نفيه عنا فكمد وأدناف يتخالفان لا يبرحان ، اللهم فأبلغه عنا ، اذكرنا يا محمد عند ربك ولنكن من بالك ، فلو لا ما خلفت من السكينة لم نقم لما خلفت من الوحشة ، اللهم أبلغ نبيك عنا واحفظه فينا . ثم خرج إلى الناس وهم في عظيم غمراتهم وشديد سكراتهم فقام فيهم بخطبة جلها الصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم وقال فيها : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمد عبده ورسوله وخاتم أنبيائه ، وأشهد أن الكتاب كما نزل وأن الدين كما شرع ، وأن الحديث كما حدث ، وأن القول كما قال ، وأن الله هو الحق المبين . . . في كلام طويل ، ثم قال : أيها الناس ، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ، وإن الله قد تقدم إليكم في أمره فلا تدعوه جزعا ، قال الله تبارك وتعالى : وما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ومَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [ آل عمران : 144 ] . وإن الله سبحانه قد اختار لنبيه صلى اللّه عليه وسلم ما عنده على ما عندكم ، وقبضه إلى ثوابه ، وخلف فيكم كتابه وسنة نبيه ، فمن أخذ بهما عرف ومن فرق بينهما أنكر ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ [ النساء : 135 ] ولا يشغلنكم الشيطان بموت نبيكم ، ولا يلفتنكم عن دينكم ، فعاجلوا الشيطان بالخزى تعجزوه ولا تستنظروه فليلحق بكم .